الرئيسية » أقلام القراء » أين قبلة اليهود؟

أين قبلة اليهود؟

أقلام القراء / الكاتب كمال الصفري

أين قبلة اليهود؟

الصخرة في المكان كالسبت في الأيام (ابن القيم)

لا بد للعالم الإسلامي من وقفة شجاعة. لابد له من لحظة يتصالح فيها مع الذات ومع التاريخ. فسحة ينسجم فيها مع تعاليم القرآن الحكيم. كفى المسلمين شعارات جوفاء، وتبجحا بسماحة الإسلام في تعامل عمر بن الخطاب مع أقدس مقدسات اليهود: قبلتهم ومصلاهم ببيت المقدس.

كيف يهنأ للمسلمين بال؟ وهم من أقاموا القبة فوق مقدسات اليهود، في لحظة ضعف منهم و شتات. و أقاموا حولها مسجدا في غفلة من القانون و من التاريخ. وليس بوحي من الله تعالى أو في زمن النبوة. مسجدا يعتبر اليوم، وبقدرة قادر، من صميم العقيدة الإسلامية(1)، ويتصدر شعارات سياسية رخيصة. لكنه في الواقع، وفي أحكام الشريعة الإسلامية، يبقى مسجدا درجة ثالثة. مفارقة لا يفطن إليها المسلم العادي و يتجاهلها “العلماء”.

أي تشريف هذا لمكان منحه القرآن الكريم قداسة رفيعة بقوله: “باركنا حوله”؟ ودرجته في آياته الكريمة “قبلة”؟ وما أدراك ما القبلة. ألا تجري عليه من الأحكام ما يطابق أحكام “المسجد الحرام” في منطق الفقه الإسلامي؟ لولا أن القرآن الكريم خصصه قبلة لليهود؟.

ألم تقتض الإرادة الإلهية أن يكون لكل أهل دين قبلة و “مسجد حرام”؟ كما الكعبة والمسجد الحرام بالنسبة للمسلمين؟ فأين قبلة اليهود و معبدهم المقدس؟

تصور مثلا أن أهل ملة أخرى، اتخذوا الكعبة قبلة لهم لفترة. (أقول و أعني الكعبة المشرفة، قبلة المسلمين). ثم بعد قرن من الزمان بنى هؤلاء الغرباء حولها معبدهم، وفوقها بناء شامخا، و ادعو في الأخير أنها لهم خاصة. ما عساه يكون واجب المسلمين الديني؟

هذا ما جرى بالضبط لليهود في مقدساتهم وعلى أرضهم بيد المسلمين (في زمن لم تكن فيه أمم متحدة، ولا قانون دولي). و حاشى أن يغفل الله تعالى ما فعله المسلمون (كما في الآية التالية). أين حرمة المكان؟ و أين تقوى الله تعالى؟ أليس في الأمر تحديا للقرآن الكريم في تخصيصه لكل أهل دين قبلتهم؟:

 

“وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَما اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ”

 صخرة اليهود

في تفسير الآية، عن ابن عباس :ولكل وجهة هو موليها ) يعني بذلك : أهل الأديان ، يقول : لكل قبلة يرضونها.

وقال أبو العالية: ( لليهودي وجهة هو موليها (أتساءل: أين هي؟)، وللنصراني وجهة هو موليها ، وهداكم أنتم أيتها الأمة الموقنون للقبلة التي هي القبلة (أي الكعبة).

إذا كانت وجهة المسلمين معروفة في الآية، وهي “المسجد الحرام” (“الحرام”: يعني أنه لا يحل مثلا دخوله لغير المسلمين)، فأين قبلة اليهود و أين حرماتهم؟ سؤال للتاريخ و للضمير الإسلامي.

صنف “المسجد الأقصى الأموي” ثالثا في تراتبية المساجد، حسب الشريعة الإسلامية، وذلك بعد المسجد الحرام والمسجد النبوي. يأتي بعده مباشرة الجامع في الرتبة الرابعة، و هو المصلى الأكبر في كل مدينة إسلامية. في المسجد الحرام تعدل الصلاة بمائة ألف حسنة. استمد مكانته هذه لكونه قبلة. ثم يأتي بعده المسجد النبوي بألف حسنة. أما “المسجد الأقصي” فبخمسمائة حسنة لكل صلاة.

ما لا يريد أن يفهمه المسلمون ، هو أنه ليس مقبولا (بكل المقاييس العقلية و النقلية) أن تتحول الكعبة (القبلة أو الرتبة الأولى، على سبيل التبليغ) إلى معبد درجة ثالثة في ديانة أخرى. إلا أن يكون ذلك عن جهالة أو عدوان غاشم. نحن بذلك نكون أمام احتلال أو استعمار ظالم. ينطبق نفس الأمر على بيت المقدس بالنسبة لليهود. ففيه قبلتهم وفيه مقدساتهم وحرماتهم. كيف يبني المسلمون فيه مسجدا يعتبر في الفقه الإسلامي درجة ثالثة؟ مع أن جميع المراجع الإسلامية لا تذكر بيت المقدس إلا كقبلة لليهود. وهي عندهم كذلك ، منذ كانوا، القبلة الأولى و الوحيدة.

 

ما لا يريد أن يفهمه المسلمون، هو أن القرآن الكريم قد أعطى موطن الصخرة قداسة خاصة، حتى إن النبي محمد(مع تضارب الأقوال إن كان ذلك بوحي أو باجتهاد شخصي منه، كما سنرى) اتخذه قبلة لفترة، مع إقراره بأنه قبلة اليهود، ثم نسخها القرآن الكريم بالكعبة المشرفة كقبلة أبدية للمسلمين. وبذلك يبقى بيت المقدس القبلة الأبدية لليهود.

كما سلف الذكر، أستعرض بعضا من اختلاف العلماء (والاختلاف رحمة كما يدعون) بشأن تحويل القبلة في حياة النبي محمد:

ففي كتاب: “نواسخ القرآن” لابن الجوزي، نقرأ ما يلي:

(روى عكرمة عن ابن عباس قال: (أول ما نسخ من القرآن شأن القبلة، قوله تعالى: “وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ” فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بصلاته صخرة بيت المقدس فصلى إليها، وكانت قبلة اليهود، ليؤمنوا به وليتبعوه وليدعوا بذلك الأميين من العرب. فنسخ ذلك ” وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ).

 

وفى كتاب “الجامع لأحكام القرآن” للقرطبي نقرأ ما دار بين العلماء بشأن استقبال النبي محمد لبيت المقدس ما يلي:

“- قال الحسن: “كان ذلك منه عن رأي واجتهاد”.

“- و قال الطبري “كان مخيرا بينه وبين الكعبة، فاختار القدس طمعا في إيمان اليهود واستمالتهم.

“- وقال الزجاج: امتحانا للمشركين، لأنهم ألفوا الكعبة.

“- وقال ابن عباس(؟) وغيره: وجب عليه استقباله بأمر الله تعالى ووحيه لا محالة، ثم نسخ الله ذلك، وأمره الله أن يستقبل بصلاته الكعبة. واستدلوا بقوله تعالى: )وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه(.

لاحظ أولا تناقض القولين المنسوبين لابن عباس في الكتابين. وأعترض على التفسير الأخير الذي تبناه “جمهورالعلماء” الذي يجر معه عامة المسلمين. ففي التفسير الكبير” لفخر الدين الرازي، في تفسيره للآية الكريمة التي استدلوا بها، نجده في انسجام تام مع مقالة الطبري فى كتاب “الجامع لأحكام القرآن” و مع ما ذهب إليه ابن عباس في كتاب: “نواسخ القرآن” المشار إليهما أعلاه. نستعرض الآية أولا:

“وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه”.

تفسير فخرالدين الرازي، المعروف بالتفسير الكبير:

 

ثم هاهنا وجهان :

الأول : أن يكون هذا الكلام بيانا للحكمة في جعل القبلة ، وذلك لأنه – عليه الصلاة والسلام – كان يصلي بمكة إلى الكعبة، ثم أمر بالصلاة إلى بيت المقدس بعد الهجرة تأليفا لليهود(أي استمالتهم) ، ثم حول إلى الكعبة ، فنقول : ( وما جعلنا القبلة ) الجهة : ( التي كنت عليها ) أولا) ، يعني : وما رددناك إليها إلا امتحانا للناس وابتلاء.

 

الثاني : يجوز أن يكون قوله : ( التي كنت عليها ) لسانا للحكمة في جعل بيت المقدس قبلة ، يعني أن أصل أمرك أن تستقبل الكعبة وأن استقبالك بيت المقدس كان أمرا عارضا لغرض (وهو استمالة اليهود)، وإنما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها قبل وقتك هذا ، وهي بيت المقدس ؛ لنمتحن الناس وننظر من يتبع الرسول ومن لا يتبعه وينفر عنه . )

كان أولى للمسلمين أن يحتكموا، في صراعهم الباطل مع دولة إسرائيل، واعتبارا لما سلف، أن يحتكموا إلى القاعدة الفقهية: “جلب المصالح ودرء المفاسد ” فيما يتعلق بالأراضي المقدسة عند اليهود. خصوصا و أن بيدهم دليلا من القرآن الكريم:

“وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ”

أي تعاونوا فيما هو خير للجميع. دون أن يستولي طرف على قبلة الطرف الآخر بمعنى من المعاني. كأنني بالمسلمين اليوم، على ضوء الآية الكريمة، وهم يرفعون في وجه اليهود شعار: “القدس لنا” يرددون: ” ردوا لنا قبلتكم التي استولى عليها أجدادنا بدون وجه حق”

أود أن ألفت نظر القراء الأعزاء إلى كتيب (34 صفحة، بصيغة ،doc موجود على الويب مجانا) يحمل عنوان: ” صَخرة القُدس في ضَوءِ العقيدة الإسلاميِّة ” يرفع كل قداسة عن صخرة بيت المقدس في العقيدة الإسلامية، و أعتذر لكل يهودي مسبقا عن كل مغالطة سياسية أو سب و شتم صدر من مؤلف الكتاب (أقر له بموسوعيته و براعته في تناول وضبط مادة الكتاب).

 

تعليقاتكم

تعليقات