الرئيسية » أحدث المقالات » الشهادة العظمى أو حجة الله تعالى في الأرض

الشهادة العظمى أو حجة الله تعالى في الأرض

الشهادة العظمى أو حجة الله تعالى في الأرض
{شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ.}
(الجزء الأول)

أقلام القراء / الكاتب كمال الصفري

لا يحتاج الأنبياء إلى شهادة الناس البسطاء أو إلى قوة غاشمة تفرضها عليهم. يحتاج الناس فقط إلى دلائل ربانية تتجلى في نبوتهم فينساقون لها من كل فج عميق. كيف يشهد الجاهل بما لا يعلم؟ ومن يكون الإنسان البسيط حتى يشهد في أمور غيبية يعجز عن فهمها حتى أكبر الفلاسفة؟ فها هو أفلاطون مثلا بعد عمر طويل يعبر في كلمات وثنية عن عجزه:
(ليس لنا أن نعرف الحقائق إلا من الآلهة أو من أنبياء الآلهة ، و ليس وسيلة لنعرف إرادة الآلهة إلا بنبي يعلنها لنا.)

من هنا ضرورة وجود “مرشدين ربانيين” بعد فترة النبوات، كحاجة بشرية ملحة، ورحمة من العلي القدير بخلقه. سأطرح الموضوع بخلفيتي الإسلامية و من القرآن الكريم.

يخبرنا القرآن الكريم أن لله في الأرض شهودا أو شهداء على وحدانيته تعالى. رجال أورثهم سبحانه علمه المكنون في كتابه الأقدس المنزل على النبي موسى عليه السلام. علماء يمشون في الأرض بتواضع، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما. رجال صدقوا ما عاهدوا الله تعالى، مخلصين في الدفاع عن عقيدة التوحيد كما أرادها سبحانه و تعالى لعباده المؤمنين. إنهم الربانيون وأحبار الدين اليهودي عبر تاريخهم المجيد. بهديهم تطمئن قلوب المؤمنين، و تسترشد به عقول الحائرين. كيف لا وهم ورثة الأنبياء؟ يقول القرآن الكريم في الشهادة العظمى:

{شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ.}
بمعنى شهادة من الله تعالى فوضها لملائكته و لأولي العلم رحمة بعباده المؤمنين.

{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ}
{ وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ}
{ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ}.
قال ابن القيم: (ولا ريب أن بني إسرائيل هم أولو العلم الأول والكتاب الذي قال الله فيه: وَكَتَبْنَا لَهُ في الألواح مِن كُلّ شيء مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لّكُلّ شيء “).

نستنتج من الآيات الكريمة أن الشهادة العظمى أو الكاملة فهي من الله تعالى أولا ثم من الملائكة وأخيرا وختاما من أولي العلم المحصورين في الربانيين وأحبار اليهود (أهل الكتاب). فهم أولو العلم الأول المكنون في كتاب الله الذي فيه تفصيل كل شيء، كما في الآية. معجزة إلهية اختص بها شعبه المختار، لأنهم حماة عقيدة التوحيد منذ النبي سيدنا إبراهيم عليه السلام، العبراني الأول و جد أنبياء بني إسرائيل.

كلمة شهداء جمع شهيد(قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) جاءت في القرآن الكريم بمعنى شهد شهادة فهو شهيد أو شاهد: witness, testify و تفيد كذلك معنى الحضور:

{قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ}
{وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ}
{قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا}

أما المسلمين، فكلمة “شهيد” تعني عندهم حصرا “من يقتل في سبيل الله”، و لو في أعمال إرهابية.

هذا المعنى الدخيل لا أجد له أصلا في القرآن الكريم بدليل ( قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ). لا أعترض على أي معنى لغوي آخر لكلمة “شهيد” ، لكنه غير وارد في القرآن الكريم الذي جاء بلسان عربي مبين.

الشهداء أو الشهود هم حجة الله تعالى في الأرض، و أمناء أسراره{بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ}. إنهم الربانيون وأحبار اليهود قدس الله أرواحهم. تقول الآية الكريمة:

{إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ.}
{اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم}. هذه الآية عبارة عن طلب حثيث و يومي يقرأها المسلمون في صلواتهم لكن دون تدبر.

فمن بين من أنعم الله عليهم في الآية التالية، مع الأنبياء والصديقين، و الذين يجب اتباع صراطهم المستقيم(حسب الآية) والاقتداء بهديهم نجد الربانيين وأحبار اليهود. فهم الشهداء بالمعنى القرآني للكلمة، أي أولو العلم الكتابي، وليس كما يتداوله المسلمون. لنقرأ الآية التي تتحدث عن الذين أنعم الله عليهم:

{الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ}.

أخيرا، أتوجه إلى المتأسلمين المتنطعين: أرجو أن تجدوا آية واحدة في القرآن الكريم فيها كلمة “شهيد” أو “شهداء” بالمعنى الذي تسوقونه في استقطاب الإرهابيين. و إلا فحكم من يبدل معانى القرآن الكريم لتوظيفها في أغراض دنيئة، معروف لديكم.

الشهداء الذين أنعم الله عليهم مع الأنبياء و الصديقين كما في الآية السابقة هم أولو العلم بالكتاب الذي أنزل على النبي موسى عليه السلام وهم { َالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ}.

وهذه ترجمة لما جاء في حق الربانيين و الأحبار في هذه الآية:

(And so would the rabbins and the canonists who were entrusted with it as the guide Book where Providence is the guide and were witnesses to its divinity. )

 

تعليقاتكم

تعليقات