الرئيسية » أقلام القراء » الكاتب مالك بارودي » المسلمون يطلبون إسبانيا بالإعتذار للموريسكيين ولكن متى يعتذر العرب المسلمون لإضطهاد وقتل اليهود وطردهم من الجزيرة العربية؟

المسلمون يطلبون إسبانيا بالإعتذار للموريسكيين ولكن متى يعتذر العرب المسلمون لإضطهاد وقتل اليهود وطردهم من الجزيرة العربية؟

في عدد البارحة من جريدة “الصّريح” التّونسيّة (21 فيفري 2014، العدد 4284)، طالعت مقالا لا أجد نعتا يليق به، من فرط تفاهته وتفاهة محتواه. كان المقال على الصّفحة الثالثة، وكان عنوانه “على غرار إعتذارها لليهود. عبد الجليل التميمي يطالب إسبانيا بالإعتذار للموريسكيين المسلمين”. وقد جاء محتواه كما يلي:
“دعا رئيس مؤسّسة «التميمي للبحث العلمي»، الدكتور عبد الجليل التميمي، الدول العربية والإسلامية إلى مطالبة إسبانيا بالإعتذار من الموريسكيين الذين تمّ طردهم من إسبانيا ومنحهم الجنسية الإسبانيّة على غرار ما فعلته إسبانيا مع اليهود.

أقلام القراء / مالك بارودي

أقلام القراء

“وأشار التميمي في تصريحات مكتوبة له إلى أنّ مبعث إهتمامه بمسألة الموريسكيين «ما حملته الأنباء هذه الأيام، منتصف شهر فيفري الجاري، كيف أنّ البرلمان الإسباني أقرّ قانونا جديدا يمنح بموجبه الجنسية الإسبانية لليهود السفاريد الذين أطردوا من الأندلس في مارس 1492.»
“ووفقا للتقارير الصحفية، هناك حوالي ثلاثة ملايين من اليهود سيتزاحمون على السفارات والقنصليات الإسبانية عبر العالم للحصول على الجنسية الإسبانية الموعودة.
“ورأى أنّ ذلك يترجم عن قوة الخط التصاعدي للإعلام الدولي المهيمن والمتعاطف مع إسرائيل للتأثير على البرلمانيين الإسبانين للموافقة على هذا القانون الجديد.
“وأشار إلى أنّ الملك الإسباني خوان كارلوس ألقى خطابا في مارس 1992 قدّم فيه إعتذارا لليهود لطردهم التّعسفي من الأندلس. لكن ملك إسبانيا يرفض حتى يومنا هذا أي إعتذار للمسلمين «والذين أهدوا لإسبانيا منظومة حضارية متكاملة».
“وذكر التميمي أنه وجه منذ 22 سنة إل العاهل الإسباني ثلاث رسائل في هذا المعنى، راجيا منه التفضّل بإقرار أن «ما حصل لمأساة طرد الموريسكيين لا يمكن قبوله إطلاقا، وأنّ الدولة الإسبانية لها واجب الإعتراف بذلك والإعتذار علانية للعالم العربي والإسلامي».
وأضاف: «إنّ عدم الإهتمام بالمطالبة بهذا الإعتذار المغيب أصلا من تفكيرنا وسلوكنا ومناهجنا التربوية والجامعية هي إدانة مباشرة لوجودنا السياسي وتنكرنا المطلق للذاكرة الموريسكية الجريحة حول تراجيديا طرد الموريسكيين من الأندلس سنة 1609».”
إذن، خلاصة الحكاية أنّ ملك إسبانيا إعتذر سنة 1992 لليهود على طردهم التعسفي من الأندلس سنة 1492، وبع عبد الجليل التّميمي برسائل إلى الملك المذكور ليتحصّل على نفس الإعتذار عمّا حدث للموريسكيين المسلمين سنة 1609 ولكن دون جواب. وتنتهي الحكاية بإقرار البرلمان الإسباني منح اليهود السفاريد حقّ الحصول على الجنسيّة الإسبانيّة، الشّيء الذي أغضب عبد الجليل التميمي وإعتبره إنحيازا لليهود وتعاطفا معهم ورضوخا من الدولة الإسبانية للإعلام الدّولي المهيمن وتهميشا للموريسكيين المسلمين.

أوّلا، أعتقد أنّ إسبانيا دولة ذات سيادة ولا أحد يستطيع أن ينتزع منها إعتذارا لا ترغب في تقديمه. وما الحديث عن أنّ الملك الإسباني قدّم إعتذارا تحت إملاءات خارجيّة أو أنّ البرلمان الإسباني أقرّ قانونه المذكور تحت ضغط الإعلام الدّولي أو أطراف أخرى إلاّ لغو وخرافات يتشبّث بها العرب المسلمون منذ عهد محمّد بن آمنة وتتركّز مختلف خيوطها حول فكرة أنّ كلّ ما يحدث لهم إنّما هو مؤامرة. ثمّ من عبد الجليل التميمي هذا ليملي على دولة ذات سيادة ما يجب أن تفعله؟

ثانيا، لو أعمل عبد الجليل التميمي بقايا الدماغ الذي لديه لفهم أنّ تتبّع منطق التّاريخ هو الحلّ الوحيد الذي قد يأتي بإعتذار من ملك إسبانيا للموريسكيين، لكن لهذا الحلّ شروط لا أعتقد أنّ عبد الجليل التميمي أو غيره سيرضون بها… كيف ذلك؟ الحلّ هو في مبادرة العرب المسلمين بالإعتذار لإسبانيا على إحتلالهم وإستعمارهم لأراضيها وعلى إضطهادهم وقتلهم لشعبها وعلى نهب ممتلكاتهم وخيراتهم. فإذا إعتذر العرب المسلمون عمّا فعله أجدادهم إبتداء من طارق بن زياد، فمن المؤكّد أنّه سيكون درسا أخلاقيّا لملك إسبانيا وقد يجد نفسه ينطق بكلمات الإعتذار دون أن يشعر. أمّا الوقوف على الرّبوة والتّعالي على الأمم الأخرى (وهو الشّيء الوحيد الذي يجيد فعله العرب المسلمون) والتّلاعب بالألفاظ وتسمية كلّ ما قام به المسلمون في حقّ الشّعوب الأخرى من جرائم ونهب وسبي وقتل وإستعمار “فتحا” و”هداية” و”أمرا من الله”، وإدانتهم لما فعله الإسبان بإسترجاع أراضيهم من الإستعمار الإسلامي وإعتباره “مأساة” وجريمة في حقّ الموريسكيّين، فهذا نفاق لا ينفع. هذا هو منطق التّاريخ الذي تحدّثت عنه. إستعمار المسلمين لإسبانيا بدأ سنة 711، وطرد الموريسكيين جاء بعد إسترجاع الإسبان لأراضيهم المحتلّة وكان في عهد الملك فيليب الثالث سنة 1609. فمن عليه أن يبدأ بالإعتذار؟

ثالثا، الحديث عن أنّ “المسلمين أهدوا لإسبانيا منظومة حضارية متكاملة” حديث لا معنى له. ولك أن تطرح على نفسك السّؤال التّالي: الإنسان القادر على السّباحة في عرض البحر الأبيض المتوسّط لا تصعب عليه السّباحة في البحر الأحمر. والإنسان القادر على “إرساء منظومة حضارية متكاملة” في إسبانيا كما تزعم، يجب أن يكون قادرا على إعادة إرسائها في أيّ مكان آخر، بل يجب أن يكون قادرا على إرساء منظومة أحسن من الأولى، بحكم تعلّمه من أخطاء النّسخة الأولى وتحسّن خبرته ونضج أفكاره بمرور الزّمن. فلماذا لم نر أيّة منظومة حضاريّة، سواء كانت متكاملة أو شبه متكاملة، منذ عودة الأندلس إلى أهلها إلى يومنا الحاضر؟ لماذا لم نر إلاّ التخلف والإنحطاط والبدائيّة والجهل؟ وحتّى لو فرضنا أنّ خرافة المنظومة الحضارية المتكاملة صحيحة، فستبقى الأرض أرض الإسبان. فهل تريد أن تكون أنت المعتدي وعندما يسترجع الطّرف الآخر حقّه تطالبه بالإعتذار؟ أليس من النّفاق التّفكير بهذه الطريقة؟

رابعا، لماذا يجب أن يكون الإعتذار دائما واجبا على الآخرين؟ هل نسيتم الجرائم والمذابح التي قام بها محمّد بن آمنة في حقّ القبائل اليهوديّة في جزيرة العرب (بني قريظة، بني النّضير، إلخ)؟ ألا تعرف يا دكتور هذه الأحاديث الشّهيرة: “أخرجوا المشركين من جزيرة العرب” (البخاري 2825، مسلم 3089) و”لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلماً” (مسلم 3313، أبو داود 2635، الترمذي 1532). فلتحاول إصلاح الإنحطاط الأخلاقي الإسلامي الذي بدأ بمحمّد بن آمنة ويتواصل إلى يومنا هذا بإرسال طلب للمملكة العربيّة السعوديّة، نظرا لأنّها بيت الدّاء الذي خرج منه الوباء الإسلامي، (أو أيّة دولة عربيّة أو إسلاميّة أخرى) تقترح فيه أن تعتذر علانيّة لليهود على كلّ ما إقترفه محمّد بن آمنة وأتباعه في حقّهم من قتل ونهب وتعذيب وطرد وتشريد، على إمتداد القرون الماضية وأن تقرّ السّعوديّة قانونا يمنح الجنسيّة السّعوديّة ولو لنسبة ضئيلة منهم ويسمح لهم بالإقامة على أرضها. لو كنت أمينا وصادقا في إنحيازك للمظلومين والمستضعفين، أتحدّاك أن تطبّق إقتراحاتي وأتحدّاك أن تحصل على ردّ إيجابي من دولك العربيّة والإسلاميّة. هذا إذا لم يقع قتلك، بطبيعة الحال.
 
كفى نفاقا، فقد كرهنا حياتنا بين تاريخكم الدّموي وقرآنكم الأصفر وحاضركم الضّبابي ولم نعد نرى في المستقبل إلاّ السّواد.

تعليقاتكم

تعليقات