الرئيسية » أحدث المقالات » من الذي أعطى ما لا يملك لمن لا يستحق؟ اللورد بلفور أم الرئيس ترامب؟

من الذي أعطى ما لا يملك لمن لا يستحق؟ اللورد بلفور أم الرئيس ترامب؟

من الذي أعطى ما لا يملك لمن لا يستحق؟ اللورد بلفور أم الرئيس ترامب؟

أقلام القراء / الكاتب مالك بارودي

وعد بلفور ودونالد ترامب

منذ يوم الأربعاء 6 ديسمبر 2017 والعرب والمسلمون في كافة أرجاء الأرض يلعنون ويسبون الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسبب قراره بنقل السفارة لأمريكية إلى أورشليم (أو القدس) وإعترافه بهذه المدينة كعاصمة لدولة إسرائيل. ولا يكاد يمر يوم دون أن نسمع خطابات التنديد والإستنكار تعلو من هنا وهناك، في الجرائد والمحطات الإذاعية والتلفزيونية. حتى ذهب البعض إلى القول بأن دونالد ترامب نسخة جديدة من السياسي البريطاني آرثر جيمس بلفور صاحب “وعد بلفور” الذي ينص على دعم بريطانيا لإنشاء وطن قومي لليهود في المنطقة المسماة فلسطين. ويتهمونه بأنه أعطى ما لا يملك لمن لا يستحق… أعطى ما لا يملك…؟ لمن لا يستحق…؟ هل لهذا السبب يلعنونه ويسبونه؟

لكن لنعد قرنا من الزمن إلى الخلف. صحيح أن وعد بلفور كان البداية، لكنه كان مجرد حبر على ورق. وفي الحقيقة، لا بلفور ولا ترامب يستحقان اللوم واللعن والشتائم. ألم تكن المنطقة المسماة فلسطين تحت سلطة البريطانيين في تلك الفترة؟ أليس يعني هذا أنهم كانوا يمتلكونها؟ فكيف يكون بلفور (وهو ممثل بريطانيا) قد أعطى ما لا يملك؟ بل هو أعطى ما يملك بالفعل. واليوم، دولة إسرائيل هي التي السلطة التي عوضت بريطانيا، وحتى العرب يعترفون بسلطتها على الجزء الغربي من مدينة أورشليم. ثم أن دونالد ترامب لم يحدد إن كان سينقل سفارة بلده إلى الجزء الشرقي أو الغربي للمدينة، ولكن من المنطقي أن يكون مكان السفارة الجديدة في الجزء الغربي، على الأقل لأسباب أمنية وسياسية. وفي خطابه لم يذكر فلسطين كدولة بل كان يقول “الفلسطينيين” ولم يذكر القدس بل كان يقول “أورشليم” .

أما عن الوضعية القانونية، فمن المعروف أن سفارة بلد ما “أ” في البلد “ب” تعتبر جزءا من التراب الوطني لـ”أ” حيث لا يمكن لأي فرد من الدولة “ب” الدخول إلى السفارة بدون ترخيص من البلد “أ”. حتى أن السلطات الأمنية من الدولة “ب” لا تملك حق تفتيش السفارة أو القيام بأي تدخل داخلها. وأية مخالفة لهذا القانون تعتبر تعديا على سيادة الدولة “أ”. فعملية نقل السفارة من مكانها الحالي بتل أبيب إلى المكان الجديد بأورشليم أمر خاص بالأمريكيين والإسرائيليين وهي عبارة عن عملية تبادل قطع أرض. فما المشكلة؟ الأمر لا يخص أحدًا سواهما. فالأمريكيون يملكون قطعة الأرض التي عليها السفارة القديمة وسيملكون قطعة الأرض الثانية التي تمتلكها إسرائيل. نقطة، إلى السطر.

أما الحديث عن “من لا يستحق” فلا أحد له الحق في تقرير ذلك، وخاصة العرب والمسلمون، ذلك أن كل الدول المسماة “عربية” أو “إسلامية” لم تُصبح مرتعًا لهم إلا لأنهم إحتلوها. وهنا نقطة أخرى يجب ذكرها لمن سيعترضون بقولهم أن بريطانيا لا تملك تلك المنطقة لأنها “إستعمرتها”. بنفس المنطق، العرب والمسلمون لا يملكون الأراضي التي هم عليها الآن لأنهم “إستعمروها وإستوطنوا فيها”. فعلى من يريد إنتقاد ملكية البريطانيين للمنطقة في زمن وعد بلفور أن يحدد موقفه أولا من إستعمار العرب للأرض التي يعيش هو وأهله عليها اليوم، ومن إستعمارهم لبلاد الشام أيضا.

لكن، أتريدون أن أدلكم على من “أعطى ما لا يملك” قولًا وفعلًا؟ إنه عربي ومسلم، مثل الفلسطينيين تمامًا. إنّه الملك فيصل الأول بن حسين بن علي الهاشمي (20 ماي 1883 – 8 سبتمبر 1933) ثالث أبناء شريف مكة حسين بن علي الهاشمي وأول ملوك المملكة العراقية وملك سورية.

لقد وقّع المذكور إتفاقية سمّت بإسمه وهي “إتفاقية فيصل ووايزمان” وقعت من قِبَلِهِ مع حاييم وايزمان رئيس المنظمة الصهيونية آنذاك وأول رؤساء إسرائيل لاحقًا في مؤتمر باريس للسلام سنة 1919 للتعاون بين العرب واليهود في الشرق الأوسط. ونصّ الإتفاقية هو الآتي:

«إن الأمير فيصل ممثل المملكة العربية الحجازية والقائم بالعمل نيابة عنها والدكتور حاييم وايزمان ممثل المنظمة الصهيونية والقائم بالعمل نيابة عنه، يدركان القرابة الجنسية والصلات القديمة القائمة بين العرب والشعب اليهودي ويتحقق أن أضمن الوسائل لبلوغ غاية أهدافهما الوطنية هو في اتخاذ أقصى ما يمكن من التعاون في سبيل تقدم الدولة العربية وفلسطين ولكونهما يرغبان في زيادة توطيد حسن التفاهم الذي بينهما فقد اتفقا على المواد التالية:

1. يجب أن يسود جميع علاقات والتزامات الدولة العربية وفلسطين أقصى النوايا الحسنة والتفاهم المخلص وللوصول إلى هذه الغاية تؤسس ويحتفظ بوكالات عربية ويهود معتمدة حسب الأصول في بلد كل منهما.

2. تحدد بعد اتمام مشاورات مؤتمر السلام مباشرة الحدود النهائية بين الدول العربية وفلسطين من قبل لجنة يتفق على تعيينها من قبل الطرفين المتعاقدين.

3. عند إنشاء دستور إدارة فلسطين تتخذ جميع الإجراءات التي من شأنها تقديم أوفى الضمانات لتنفيذ وعد الحكومة البريطانية المؤرخ في اليوم الثاني من شهر نوفمبر سنة 1917.

4. يجب أن تتخذ جميع الإجراءات لتشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين على مدى واسع والحث عليها وبأقصى ما يمكن من السرعة لاستقرار المهاجرين في الأرض عن طريق الاسكان الواسع والزراعة الكثيفة. ولدى اتخاذ مثل هذه الإجراءات يجب أن تحفظ حقوق الفلاحين والمزارعين المستأجرين العرب ويجب أن يساعدوا في سيرهم نحو التقدم الاقتصادي.

5. يجب ألا يسن نظام أو قانون يمنع أو يتدخل بأي طريقة ما في ممارسة الحرية الدينية ويجب أن يسمح على الدوام أيضا بحرية ممارسة العقدية الدينية والقيام بالعبادات دون تمييز أو تفصيل ويجب ألا يطالب قط بشروط دينية لممارسة الحقوق المدنية أو السياسية.

6. إن الأماكن الإسلامية المقدسة يجب أن توضع تحت رقابة المسلمين.

7. تقترح المنظمة الصهيونية أن ترسل إلى فلسطين لجنة من الخبراء لتقوم بدراسة الإمكانيات الاقتصادية في البلاد وأن تقدم تقريرا عن أحسن الوسائل للنهوض بها وستضع المنظمة الصهيونية اللجنة المذكورة تحت تصرف الدولة العربية بقصد دراسة الإمكانيات الاقتصادية في الدولة العربية وأن تقدم تقريرا عن أحسن الوسائل للنهوض بها وستستخدم المنظمة الصهيونية أقصى جهودها لمساعدة الدولة العربية بتزويدها بالوسائل لاستثمار الموارد الطبيعية والإمكانيات الاقتصادية في البلاد.

8. يوافق الفريقان المتعاقدان أن يعملا بالاتفاق والتفاهم التّامين في جميع الأمور التي شملتها هذه الاتفاقية لدى مؤتمر الصلح.

9. كل نزاع قد يثار بين الفريقين المتنازعين يجب أن يحال إلى الحكومة البريطانية للتحكيم.

وقع في لندن، إنجلترا في اليوم الثالث من شهر جانفي سنة 1919، 3 جانفي 1919».

أليس الملك فيصل هو الذي أعطى ما لا يملك؟ أليس هذا الاتفاق إعترافا بوعد بلفور وإلتزاما به؟ كما قلت لكم، كان وعد بلفور مجرد حبر على ورق، والملك فيصل حققه على أرض الواقع. فلماذا لا تنهالون عليه بالشتائم واللعنات وتذهبون للتبول على قبره؟ أم أنّكم مصابون بالحَوَلِ، كالعادة؟

لكنه ليس الوحيد، فالملك عبد العزيز آل سعود، مؤسس الدولة السعودية الثالثة، قد أمضى لمندوب بريطانيا العظمى “بيرسي كوكس” على وثيقة يقول فيها: “لا مانع عندي من إعطاء فلسطين للمساكين اليهود”. يؤكد فيها أيضاً أنه لن يخرج “عن إرادة بريطانيا حتى تصبح الساعة”.

 

وعد عبد العزيز آل سعود لمندوب بريطانيا العظمى

 

والآن، بعد أن قُلتُ ما لديّ، سأذهب لأنام قليلا، وسأترككم تعودون إلى هوايتكم المعروفة: تخريب بلدانكم بأنفسكم من أجل خرافة الإسلام وفلسطين والحمار المجنّح الذي لم يره أحد…

.

تعليقاتكم

تعليقات