الرئيسية » أقلام القراء » الكاتب موشيه يروشالمي » أنيس منصور رائد الربيع العربي

أنيس منصور رائد الربيع العربي

أنيس منصور رائد الربيع العربي
الكاتب: أ. د شموئيل موريه

كان الاستاذ المصري عمرو زكريا قد أخبرني، بعد أن يئست من الاتصال بالمفكر والأديب المصري الكبير أنيس منصور تلفونيا وبواسطة الميل الالكتروني في جريدة “الأهرام” الغراء، أن السبب في انقطاع الاتصال به، راجع الى أن الاستاذ الكبير موجود تحت العلاج المكثف إثر اصابته بالتهاب رئوي في إحدى مستشفيات القاهرة. جزعت للنبأ المؤسف، وحاولت مرات عديدة إرسال مقالي ادناه اليه لكي يطلع عليه قبل نشره، ولكي يخبرني فيما إذا كنت صادقا في حدسي في أنه هو الذي شجع المغفور له الرئيس أنور السادات على توقيع إتفاقية السلام مع إسرائيل، ولكن الأقدار كانت اسبق مني. وقبل دقائق من ارسال هذا المقال الى الشاعر والاديب عبد القادر الجنابي محرر زاوية “كتاب اليوم” و”ثقافات” في مجلة أيلاف الغراء، هاتفتني الدكتورة سيجال كرجي من جامعة النقب تنعى المفكر والكاتب المصري الذي نالت لقب دكتوراة في الفلسفة عن اطروحتها التي كتبتها عن “المفكر والأديب الكبير أنيس منصور”، تغمده الله برحمته الواسعة. وبعد أن تأكدت من الخبر في الصحف المصرية، هاتفت صوت اسرائيل لاخبرهم بالنبأ المؤسف والخسارة العظيمة للفكر العربي وللأمة العربية جمعاء على وفاة احد كبار مفكريها وكتابها وصحفييها الافذاذ، ولا يسعني إلا أن اعزي الحكومة المصرية والشعب المصري والأدباء العرب والشعوب العربية على وفاة احد كبار رجال الفكر الإنساني على الصعيد العالمي الذي كان من أهم الرواد العرب العاملين لقدوم الربيع العربي المجيد. وها أنا أقوم بأرساله الى جريدة “إيلاف” الغراء دون تغيير سوى في خاتمة المقال:

في غمرة أحداث الربيع العربي العنيفة المتلاحقة في الشرق الأوسط ومطالبة الشباب العربي الناهض في ربيعه بالحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة وتحرير المرأة والديموقراطية واسقاط النظم السياسية الدكتاتورية التي قامت على انقلابات عسكرية بدعوى إنها ثورات شعبية، يقف ثلاثة من عمالقة الفكر العربي في مصر، وهم توفيق الحكيم (1898؟-1988) ونجيب محفوظ (1911-2006) وأنيس منصور (ولد في المنصورة عام 1924)، وخلفته الأديب علي سالم حفظه الله وأطال من عمره، في طليعة المفكرين والكتاب العرب الذين يدافعون عن حرية الفكر والديموقراطية والعلمانية والعلوم الحديثة ويرون فيها الحل الناجع لمشاكل البلاد العربية عامة ومشاكل مصر خاصة. وفي حين

كتب الاستاذ أنيس منصور على ظهر صورته التي اهداها في 19/4/ 1989 إلى كاتب هذه السطور: “إلى الصديق الإستاذ موريه، هذا الرمز الزائل لصداقة لا تزول، أنيس”. فإلى رحمة الله يا صديقي.

 

كتب الاستاذ أنيس منصور على ظهر صورته التي اهداها في 19/4/ 1989 إلى كاتب هذه السطور: "إلى الصديق الإستاذ موريه، هذا الرمز الزائل لصداقة لا تزول، أنيس". فإلى رحمة الله يا صديقي.
كتب الاستاذ أنيس منصور على ظهر صورته التي اهداها في 19/4/ 1989 إلى كاتب هذه السطور: “إلى الصديق الإستاذ موريه، هذا الرمز الزائل لصداقة لا تزول، أنيس”. فإلى رحمة الله يا صديقي.

 

اتخذ كل من الحكيم ومحفوظ الفن القصصي والروائي لبث هذه الآراء التقدمية والفلسفية، وهي فنون يفهمها ويتذوقها كبار المثفقين خاصة، نجد أن الأستاذ أنيس منصور يفضل وسائل الأتصال الجماهيرية المباشرة بالاضافة الى الفن الروائي، ليلعب الدور الرئيسي في نشر الفكر العلماني وحرية التعبير وتحرير المرأة والديموقراطية والفلسفات الغربية والفلسفة الوجودية بصورة خاصة، وذلك عن طريق مقالاته المتنوعة في الصحف والمجلات الواسعة الانتشار وأحاديثه الواضحة المبسطة للأفكار والفلسفات والعلوم الحديثة في الراديو والتلفزيون بحيث تغلغلت آراؤه الاصلاحية والحرة في وعي اوسع الطبقات الشعبية وبين الشباب العربي خاصة. وقد سبق بسنوات عديدة نقد الروائي علاء الأسواني وغيره لنظام الرئيس المصري السابق حسني مبارك في روايته “عمارة يعقوبيان” و”حكاية للكبار والصغار” الرمزية وغيرهما. ويبدي الأسواني في مقالاته السياسية تعصبا قوميا لا يتناسب ومكانته الثقافية والأدبية التي تحتم على أمثاله الانفتاح الإنساني على الآخر ومحاولة تفهمه للوصول الى حل وسط يرضي الأطراف المعنية ولخير الأنسانية جمعاءٍ. فقد عارض الأسواني صدور الترجمة العبرية لروايته “عمارة يعقوبيان” في اسرائيل وهي الترجمة الرائعة التي قام بها الاستاذ المترجم موشيه حاخام العراقي المولد، والذي يحاول أن يكون جسرا للتواصل اليهودي العربي في مجال الثقافة والعلوم، وقد نشر هذه الترجمة المركز الاسرائيلي- الفلسطيني للأبحاث والإعلام. وبمقاطعته لهذه الترجمة يريد الأسواني أن يقول بصراحة، إنه ضد التطبيع مع إسرائيل التي نال عشرة من علمائها جائزة نوبل للعلوم وضد التواصل الأدبي والفني بين الدول والشعوب المجاورة. وأنا اتعجب من مثل هذا الموقف العدائي الذي يشجع الكراهية وشجب الآخر وقد أدى مثل هذا الموقف في الماضي الى احراق الكتب ثم احراق الآخر، كما رأينا في الماضي القريب وكما يحدث في بعض الدول التي اتخذت التعصب الديني والعنصري مبدأ مقدسا لها. فكان الدمار وسفك الدماء نتيجة حتمية لمثل هذا الموقف. إنه موقف يشجع الأبارتهايد (Apartheid) (التمييز العنصري) ثقافيا والجنوسايد عنصريا الذي يتهمون اسرائيل به بعد ان شنوا عليها الحروب المتاولية لإلقائها في البحر ثم طهروا البلاد العربية من يهودها ويرفض القادة الفلسطينيون بقاء أي يهودي في غزة والضفة في حالة عقد اتفاقية سلام؟ إذن! فما الفرق بين الأسواني وبين فاروق حسني، وزير الثقافة المصري السابق الذي كان أعدى أعداء التطبيع؟ وهدد بأنه “لو وجد كتبا يهودية في معرض الكتاب فسوف يقطعها ويحرقها” (ويستدرك الاستاذ أنيس منصور، في ذكرياته الأخيرة في “الأهرام” عن الرئيس أنور السادات، بأن “كلمة “يحرق” في اللهجة المصرية لا تعني احراق الكتب بالمعنى الحرفي”، ولكنني أعلم، أن “”التقطيع والحرق”” هنا، هما ترادف المعنى للتأكيد، أي بمعنى الابادة، والله أعلم!)، فما أسهل منع صدور كتابي عن المسرح العربي في القرون الوسطى الذي كان تحت الطبع بتوصية الأستاذ أنيس منصور، ويظن انه بفعلته العنصرية هذه قد انتصر على إسرائيل انتصارا باهرًا؟ ؟؟

ومثلما اشجب على الاسواني تبريره واطرائه للرجل العنكبوت المصري الذي تسلق شبابيك وشرفات العمارة التي تقع فيها السفارة الإسرائيلية وأنزل العلم الاسرائيلي واحرقه وسط هتاف وتصفيق الجماهير الهائجة، اشجب بشدة تصرف المتدينين اليهود الشائن نحو الفلسطينيين العزل وااعتدائهم على حقوق الانسان السافر في كل مكان وزمان، وكلا الطرفين العربي المتطرف واليهودي المتديين هما ضحية اقحام الدين في السياسة وعدم فصل الدين عن الدولة، فبدلا من أن يكون الدين علاقة روحية واخلاقية ونفسية بين الخالق وعبده، ويجعل جهاده الأكبر جهاد النفس الأمارة بالسوء، نرى أن بعض المتديينين يربون الجيل الجديد في مدارسهم وفي احضان امهاتهم على كراهية الاديان الأخرى وإباحة دماء واموال الآخر، وقد ادركت الدول الاسكندنافية خطورة مثل هذه الاساليب التعليمية، لذلك نراها تدرس الاديان بصورة موضوعية فلسفية انسانية علمية، ثم تجعل التلميذ يختار الإيمان والعقيدة التي يرغب في اعتناقها دون فتوى بتكفيره وقتله.

وكنت أعلم أن كلا من فاروق حسني وزير الثقافة السابق وخليفته جابر عصفور هما السبب الرئيسي في الحجر على نشر كتابي عن المسرح العربي البشري عند العرب، وقد تأكد لي ذلك عندما وصلتني مكالمة هاتفية في عام 2010، من الاستاذ أنيس منصور يقول لي فيها “بأنه موجود مع وزير الثقافة فاروق حسني ومع د. جابر عصفور في قاعة الكونسرت التي يعزف فيها الموسيقار الإسرائيلي بيرنباوم محب الفلسطينيين، وانني الآن استطيع ارسال بروفات كتابي عن المسرح العربي المترجم الى العربية لتشره مكتبة مدبولي في القاهرة”. استبشرت خيرا وقلت لعل ترشيح معالي الوزير فاروق حسني لمنصب الأمين العام لمنظمة اليونيسكو (منظمة الامم المتحدة للتربية والعلوم الثقافية)، سيفرج عن الحجر على كتابي المترجم. ثم اتهمت الصحف العربية كعادتها، اسرائيل، بعرقلة إنتخاب الوزير لهذا المنصب المرموق، وهكذا ضاعت عليّ مرة أخرى فرصة صدور كتابي عن المسرح العربي مترجما الى اللغة العربية، ولا أزال منتظرا الفرج من مكتبة مدبولي.

أما الأستاذ أنيس منصور فبعد أن عادى إسرائيل وهاجم اليهود والصهيونية، أصبح فيما بعد من أنصار التطبيع والانفتاح الفكري على إسرائيل وعلى العولمة، فهو اول من دعا الشباب العربي في كتابه “الوجودية” (1953)، الى اعتناق الفلسفة الوجودية الأوربية (إكزيزتنشياليزم Existentialism) التي قال بها كبار الفلاسفة الوجوديين، من امثال سارتر المناصر لليهود وكامي والبيرتو مورافيا والفيلسوف اليهودي مارتن بوبر، كحرية الفكر والمساواة بين البشر ومحاولة فهم الآخر. فالفلسفة الوجودية تلقي المسؤولية على المثقف لخدمة مجتمعه وتغييره وليكرس حياته للتخفيف من المآسي الأنسانية وآلامها، بدل التعصب الديني والتخريب والقتل العشوائي. فهو يرى أن الفلسفة الوجودية خير بديل للتوكل والإيمان بالقضاء والقدر وعداء الأديان الأخرى وتهميش الآخر واضطهاد الأقليات واعتبار الحكام الطغاة أولي الأمر على المسلمين، بعد الله ورسوله، ووجوب الطاعة العمياء والخضوع لهم والمحافظة على الطبقية وانعدام المبادرة الشخصية واضطهاد الأقليات كالأقباط والمسيحيين وغيرهم من أتباع الديانات والمذاهب الأخرى. واليوم نجد أن معظم هذه الأفكار المتحررة ترفع مع الشعارات التي أطلقها ويطلقها الثوار العرب في ربيع العروبة في جميع أنحاء الدول العربية، في تونس ومصر وليبيا واليمن وغيرها من الدول التي بدأ الشباب فيها يعى مهمة الحكومات وواجبها في توفير الرفاهية والتعليم والعيش بكرامة وتوزيع الثروة بالمساواة بين جميع طبقات الشعب، وان المشكلة قائمة ليست في عدو وهمي أو حقيقي يشغلون الشعب به، بل في الحكام أنفسهم وانانيتهم وجبروتهم ضد أبناء شعبهم، فبدلا من القيام باصلاحات تربوية وسياسية واجتماعية واقتصادية وعلمية بناءة، نراهم يقومون باستخدام الجيش وسلاحه لقمع مطالب الشعب العادلة وإخضاعه لأطماعهم بوحشية بالغة دون الاستجابة لمطالبه بالعادل والمساواة، طمعا في أن يحافظوا على مصالحهم ومصالح عائلاتهم وعشائرهم والمقربين اليهم.

وأنا أرى ان العالم العربي اليوم مدين لريادة الاستاذ أنيس منصور في الدفاع عن العولمة والانفتاح على الفكر العالمي والحضارات عامة وفي بزوغ شمس الربيع العربي في البلاد العربية. فكل كتبه موجهة الى الشباب العربي الناهض والى محاولة خلق جيل من الشباب الواعي بقضايا وطنه وتأمين مستقبله بالإطلاع على انجازات الغرب وتياراته الفكرية والعلمية واعتناق التفكير المنطفي العقلاني الى جانب اهتمامه بالغيبيات وما وراء الطبيعة وبالعقيدة الاسلامية الصافية السمحة وبمبدأ خذ العلم ولو في الصين.

تعرفتُ على الأستاذ أنيس منصور في القاهرة بعد أن كان قد مهد الطريق بمقالاته أمام اعلان الرئيس المصري عن رغبته في زيارة إسرائيل لانهاء حالة الصراع معها في حلقة مفرغة مفزعة عقيمة من العداء والحروب. أي بعد مرافقته للرئيس المغفور له أنور السادات في زيارته التاريخية لأورشليم – القدس كمستشاره ودعمه لاتفاقية السلام بين مصر واسرائيل. كان ذلك بعد مرحلة مهاجمته لأسرائيل بصورة خاصة، ولليهود بصورة عامة، وبعد نشره لكتبه التي استمد آراءه فيها من الكتاب المعادين للصهيونية ولليهود بل وعلى بعض الكتب العنصرية النازية وبروتوكولات حكماء صهيون الزائفة والمناهضة للتلمود. ومع ذلك فقد غير رأيه في إسرائيل. وفي لقاءاتي معه، لم يدر بيننا نقاش حول هذه المواضيع، وكل ما قاله لي في لقائنا عام 1989 هو اعجابه بأبيات الشاعر المصري الحسن بن خاقان، في نقده لسيطرة اليهود في العصر الفاطمي، فأنشدني الأبيات التالية كأنه يشير الى صدقها في أيامنا هذه أيضا:

يهودُ هذا الزمـانِ قدْ بلغـوا غايةَ آمالهـم وقد ملكوا

العـزّ فيهم والمال عندهمـو ومنهم المستشارُ والملكُ

يا أهلَ مصر إني نصحت لكم تهوّدوا، فقد تهـوّد الفلكُ

فضحكنا لما في هذه الأبيات من الحقيقة التي جعلت الشعوب الآخرى تحقدها عليهم.

وفي يوم 12 أبريل، 1989 أثناء زيارتي للقاهرة، التقيت بالأستاذ أنيس منصور في مكتبه في مجلة “أكتوبر”، وكان الاستاذ غاضبًا على “تصريحات الدكتور عمر عبد الرحمن الضرير” (الدقهلية 1938) أمير الجماعة الإسلامية سابقا وهو اليوم معتقل في سجون أمريكا بتهمة التورط في تفجيرات نيو يورك عام 1993، وهو من المتطرفين الإسلاميين، الذي صرح في حديث أجري له في جريدة “الأنباء” الكويتية، إن نجيب محفوط هو رجل كافر فلذلك وجب قتله، وذلك بسبب نشره كتاب “أولاد حارتنا” وبسبب تشككه في هذا الكتاب بالله، وكان د. عمر عبد الرحمن قد أعلن في 1981 إن أنور السادات هو رجل كافر بعقده اتفاقية السلام مع إسرائل، ولذلك وجب قتله، وعلق الأستاذ أنيس منصور وأنا في ضيافته على ذلك بقوله: “إنه خبر مفزع ومروّع، وفجأة يظهر بيننا خميني جديد، وتحول أعز أبناء مصر، نجيب محفوط، الحائز على جائزة نوبل، مثل سلمان رشدي، الى كافر يجب قتله”. وأضاف الأستاذ قائلا، إن سبع منظمات دينية متطرفة حكمت عليه بالاعدام بسبب علاقته مع إسرائيل، وبسبب موقفه من ثورة مصر الناصرية القذافية، التي اصدرت حكم الإعدام ضده، وقد أرسلوا له رسائل تهديد وسيارة محملة بالشباب والبنادق والمسدسات وأطلقوا النار على بيته في أكتوبر عام 1988، وذلك لنشره كتاب “عبد الناصر، المفترى عليه والمفتري علينا”، الذي شن فيه نقدا عنيفا على عبد الناصر وسياسته العشوائية، ومع ذلك فقد صدرت 3 طبعات من الكتاب خلال 6 أشهر بالرغم من مطالبة الرئيس حسني مبارك أمام جمع كبير من الصحفيين، وبالرغم من مكالماته التلفونية والتحدث معه وجها لوجه، طالبا منه التوقف عن نقده العنيف لجمال عبد الناصر. ولكن الأستاذ المؤمن برسالته وموقفه، رفض بإباء هذه الطلبات المتكررة.

ومن بين ما رواه لي الأستاذ، إن إمرأة يهودية التمست منه الذهاب معها لرؤية دارها الذي تركته بعد طردها مع يهود مصر، فأجابها الأستاذ بأنه من المستحيل زيارة دارها لأنه تحول الى سفارة للمملكة العربية السعودية، كأنه يشير الى صدق قول الشاعر الفاطمي: “العـزّ فيهم والمال عندهمـو”. فدار لسيدة يهودية مصرية لائق لأن يصبح سفارة لإحدى أغنى الدول في العالم. وإذا كان مثل هذا القصر ملكا لسيدة يهودية واحدة، فما بالك بأملاك ما يقارب المليون يهودي، كانت قصورهم في بغداد في العصر العثماني ملائمى لكي يجعلوها مستشفى أو قصرا يليق بضيافة الملك فيصل الأول، ثم اضطهدوا وهجّروا وطردوا ونهبت أموالهم وصادرت الدول العربية جميع أملاكهم من أموال منقولة وغير منقولة في نكبتهم ليهود البلاد العربية ولا نكبة البرامكة. ثم يتحدث سيادة الأديب الكبير الأسواني بكل بساطة وبحماس عن تعويضات يجب أن تقدمها إسرائيل التي آوت هؤلاء اللاجئين ضحية العدوان عليهم، عن تعويضات. وقد نشأ في البلاد العربية وخارجها وخاصة في العراق، جيل جديد من المثقفين المفكرين الأحرار ادركوا الخسارة الفادحة التي خسرها العرب من جراء طردهم لليهود وبادروا الوقوف امام طرد المسيحيين اليوم منها. أتريد يا أسواني جدلا جادا عن التعويضات؟ إذا والله لاقيت جَلِدًا على مثل هذا الجدل. ألا تأسى يا أسواني لهذه السيدة التي كانت عزيز قوم ذلّ، طردت من دارها ولا تستطيع القاء نظرة خاطفة عليها لتتذكر طفولتها وشبابها وأهلها وأحبابها الذين فرقتهم سياسة الانتقام والتهجير أيدي سبأ؟ وقد يكون الاسواني محقا في طلب تعويض لبعض المصريين، ولكن من سيعوض يهود البلاد العربية عن الأرواح التي أزهقت وعن مصادرة أموالهم بعد كل نكسة عربية في الحروب نصرة لشعب فلسطين المظلوم الذي ظلمه قادة العرب وساستهم في موقفهم المتعنت، وقتلت منهم ما لم تقتله اسرائيل في حروبها الدفاعية، وسياستهم المتعنة إما الحصول على كل شيء وإلا احرقوا كل شيء، “، والبادئ أظلم، فقادوا العرب الى حروب متتالية هدفها إلقاء اليهود في البحر أو الشعار الشعري الطنان “تل أبيب الموعد” لإبادة شعب كامل هرب من المحرقة الأوروبية وطرد من البلاد العربية خاوي الوفاض؟

أما سيادة الأستاذ أنيس منصور، فقد عانى من حكومات البلاد العربية بعد أن وقف الى جانب السلام، فقاطعته مع نجيب محفوظ مدة عشرة أعوام، إلى أن نشر مقالا عن موقف المثقفين الإسرائيليين من نجيب محفوظ وحديث الرئيس الخامس لدولة إسرائيل السيد اسحق نافون عن العقاد ونجيب محفوظ، وفاضطرت الصحف العربية بعد تردد نشر المقال الذي كان سببا في إلغاء مقاطعة الدول العربية لعبقري الرواية العربية والفائز بجائزة نوبل، الأديب الكبير نجيب محفوظ. هكذا يكون موقف الأديب الانساني العالمي من القضايا السياسية والانسانية في العالم.

وكثيرا ما يحيرني السؤال، هل كان الاستاذ أنيس منصور وهو المستشار الأفضل للرئيس السادات، قد أشار على السادات بالقيام بخطوته المباركة بزيارته التاريخية لأورشليم-القدس في 19 نوفمبر 1977، وتوقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل في كامب ديفيد مع مناحيم بيجن وجيمي كارتر عام 1979؟ والسبب في حدسي هذا هو ان الاستاذ، كان مستشارا شخصيا ومرافقا للسادت في جميع مراحل عقد الاتفاقية، ويقول الاستاذ د. محمود فوزي في كتابه الشامل الكامل “أنيس منصور، ذلك المجهول” (1986)، ص 14، 161، عن صلة الأديب الكبير بالرئيس المصري البطل: “ولقد اجرى أنيس منصور مع السادات أكبر عدد من الأحاديث الى الصحافة المصرية والعربية … بل أن انيس منصور جلس مع الرئيس السادات أطول ساعات يمكن ان يجلسها معه إنسان، ولو كان أقرب المقربين له”. وقد أخبرني الأستاذ أنيس بأن الرئيس كان يستشيره في كل شاردة وواردة عن السلام مع إسرائيل. وكان أنيس معجبا بالعلماء ذوي الحدس والقدرة على التنبؤ، وبالذين يربطون بين الغيبيات والقضايا العلمية. وهو يؤمن مثل الرئيس المصري الراحل بالعزلة والتأمل قبل اتخاذ القرارات، ويميل الى التصوف، ويؤمن بالنبوءات وبالتنجيم، وذلك تمسكا بالآية القرآنية الكريمة “وَعَلامَاتٍ وَبِالنّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ” (القرآن الكريم، سورة 16، النحل /الآية 16)، وهي الآية التي دفعت المؤرخ المصري الخلوتي عبد الرحمن الجبرتي (1753-1825)، إلى تسجيل توقعاته في بعض السنين متنبئا بأحداثها الجسام عن طريق قراءة الطالع بواسطة قرانات الأفلاك والنجوم، وقالت الصحافة الاسرائلية آنذاك، ولا أدري صحتها، ولعله “كلام جرانيل”، إن التأخير الذي وقع في فتح باب الطائرة التي أقلت السادات ووفده بعد أن حطت في مطار بن جريون، راجع إلى انتظار إشارة الفلكي المرافق له لتكون الدقيقة التي يفتح فيها باب الطائرة ساعة سعد حسب قرانات النجوم. وقد عقد الأستاذ أنيس منصور في كتابه “لعنة الفراعنة، وشيء وراء العقل” (القاهرة، دار الشروق، 1987، ص 85-93)، فصلا عن الطبيب الفرنسي اليهودي الأصل نوستراداموس (Nostradamus) (1503-1569)، الذي تنبأ بأحداث ستقع في المستقبل بصورة دقيقة منها أنه “تنبأ أيضا بقيام الثورة الفرنسية … وبإعدام زعمائها … وهو ايضا الذي تنبأ بنفي نابليون الى جزيرة سانت هيلانة … وهجوم هتلر وزحفه على روسيا وعودته مهزوما … وانتحاره ومصرع موسليني … ومصرع الأخوين كندي”. أما عن إسرائيل، فيقول الأستاذ أنيس منصور بالحرف الواحد: “وتوقع [نوستراداموس] حرب 1948 واستيلاء اليهود على أرض فلسطين، قال: “فالدولة الجديدة تحتل أرضا حول سوريا ويهودا وفلسطين .. وتنهار القوات البربرية”. (قارن: Nostradamus, The Complete Prophecies, by John Hogue, Shaftesbury, Elements Books, Ltd., 1997, p. 291, no. 3 Q97.) ، ويعلق أنيس منصور على هذه العبارة بقوله: “القوات البربرية هي القوات غير المسيحية. وقد كان من المألوف في أوربا أن يوصف كل من ليس أوروبيا بأنه بربري، وبعد ذلك أصبح البربري هو كل من ليس مسيحيا. فالقوات البربرية التي يتحدث عنها هي القوات العربية الإسلامية” (إلى هنا كلام أنيس منصور). كما أشار نوستراداموس برموزه الى ما فسره المحقق جون هوج بأنه يعني كل من صدام حسين ومعمر القذافي والأخير لقي حتفه اليوم لاحقا بالأول واللهم لا شماتة، والله يمهل ولا يهمل، ويقول جون هوج بأنه يرى إشارات واضحة نحو الحركات الإسلامية المتطرفة ذكر اسماءها بالواحد، ويعلق هوج بقوله “إذا نجحت الجهود السلمية، فإنها ستدفع الى إقامة إمبراطورية تعتمد على الانتقام والكراهية لليهود مما سيؤدي الى تفسخ هذه الامبراطورية وانهيارها” (تفس الصفحة من نبوءآت نوستراداموس، أعلاه).

إذن، فالدولة الجديدة التي أشار إليها نوستراداموس، وأكد إنها ستصمد أمام حروب عديدة تشنّ لإبادتها، وسيكتب لها البقاء، هي دولة إسرائيل التي صمدت أمام جميع الحروب لإبادتها. والمنطق يقول، ما فائدة كل هذه الحروب والتضحيات بخيرة الشباب فيها وبذل النفس والنفيس في سبيل الوقوف أمام الأقدار، “فالانسان بالتفكير والله في التقدير” ؟ والمنطق يقول، ما فائدة كل هذه الحروب إذا قـُدّر لهذه الدولة البقاء؟ وقد أكدت ذلك التوراة بقول انبيائها بأن الله سبحانه وتعالى سيجمع شتات بني اسرائيل من بين جميع الشعوب وعلى اجنحة النسور (الكتاب المقدس، ط 1966، سفر الخروج، الاصحاح 19/4 وأنا حملتكم على أجنحة النسور، وأرميا الإصحاح 29/14، وحزقيال، الاصحاحات 11، 16، 20، 36، 39)، وكل من عاد الى اسرائيل وشاهد أجنحة الطائرات التي حملته، أدرك انه عائد على اجنحة النسور، وأنه في زمن تتحقق فيه نبوءات الانبياء والمنجمين، ولا ينفع الحذر من القدر!! وما على الرسول إلا البلاغ!!!

وأكرر سؤالي هنا مرة أخرى، ترى؟ هل حدّث الاستاذ أنيس منصور الرئيس المصري الخالد بهذه النبوءات وأقنعه بعدم جدوى الحروب مع إسرائيل؟ وأنه من الاولى عقد اتفاقية السلام لاسترجاع آخر ذرة من رمال سيناء حول مائدة المفاوضات، والتفرغ للبناء والأعمار ومحاربة الفقر والجهل والمرض والتصحر وتلوث البيئة والأوبئة التي تهدد الانسانية جمعاء ولتستطيع الشعوب التفرغ لرفاهيتها والاستفادة من ثرواتها الطبيعية لتأمين مستقبل الابناء والأحفاد بعد أن كشفت لعبة الحكام في تكديس البلايين من الدولارات لمصالحهم الانانية وإلهاء شعوبهم بعدو وهمي ليحفظوا على كراسيهم؟ هذا أمر لا يستطيع البت فيه سوى صديقي أنيس منصور، الذي يرقد الآن في المستشفى لمعالجته من الالتهاب الرئوي. ندعو الله أن يمن عليه بالشفاء العاجل وان يعود الى ممارسة نشاطه الثقافي والصحفي والاجتماعي والسياسي، ولتوجيه الشباب العربي في ربيعه الجديد ولاسداء النصح للقيادات الميمونة الجديدة التي ظهرت على الساحة اليوم وإرشادها نحو سبل النجاح لخير الشعوب العربية والعالم، وأنا منتظر ردّه على استفساري هذا، للحقيقة والتاريخ”.

 

هذا هو المقال الذي كنت أود أن يقرأه الصديق العزيز الراحل، ولكنها الأقدار، وقبل لحظات وصلني النعي التالي من الصديق المصري عمرو زكريا، وهو ختام مناسب لمقالي هذا، يقول فيه:

“حضرة أستاذنا الدكتور الكبير سامي موريه

أنعي إليك ببالغ الأسى والحزن الأستاذ الكبير والمفكر العملاق أنيس منصور، فهو الآن في ذمة الله، فقد تُوُفِّيَ في مستشفى الصفا متأثرًا بالتهاب رئوي حادٍّ، وكانت صحته قد تدهورت تدهورًا شديدًا جدًّا منذ أمس الأول في غرفة العناية المركَّزَة، ولَقِيَ رَبَّهُ فجرَ اليوم، وشُيِّعت جنازتُه من مسجد عمر مكرم بميدان التحرير عقب صلاةِ الجمعة،ودُفِنَ بمدافن الأسرة بمصر الجديدة.

إنا لله وإنا إليه راجعون، وبما أننا لا نزال نحيا في هذه الحياة الدنيا، فلْنتوجَّهْ إلى الله سبحانه وتعالى بأن يرحمه رحمةً واسعةً وأن يتغمَّدَه برحمته التي وسِعَتْ كل شيء، وأن يُسْكِنَهُ فسيحَ جناته، إنه نعم المولى ونعم النصير

أدعو الله لك بأن لا ترى مكروهًا في حبيبٍ أو عزيزٍ لديْك

تلميذك المخلص، عمرو زكريا

* فصل من كتاب: بغداد حبيبتي، يهود العراق : ذكريات وشجون، حيفا، مكتبة كل شيء، لصاحبها الاستاذ صالح عباسي، 2012. ش. م.

المصدر: إيلاف

ان المقالات المدونة في هذه الخانة تعبر عن اراء اصحابها, ولا تلزم الموقع بمحتواها

 

تعليقاتكم

تعليقات