الرئيسية » أقلام القراء » الأله الحقيقي

الأله الحقيقي

 الأله الحقيقي
الكاتب: باريس بحري




 

هو رجل متوسط الطول ، اسمر اللون ، تجاوز الخامسة والخمسين من عمره ، حالته المادية جيدة ، متزوج ولديه اولاد وبنات وأحفاد ، مسلم ، يصلي ، يصوم ، يواضب على زيارة المراقد التي يعتقد بقدسيتها ، يقرأ القرآن بشكل متلكأ فمستواه التعليمي مُتدني ، لديه ميول مذهبي متطرف ولا يحترم التعددية المذهبية والدينية ، يتميز بما تتميز به الشخصية العربية من انغلاق وعدم تقبل آراء الآخرين وخوض النقاشات بوجه متجهم وأنفعال مفرط وضوضاء ، يستمع كثيرا" لخطابات رجال الدين ويتعصب لوجهات نظرهم وما يُروجوه ويردد ما يقولون كأنه ببغاء .

تجمعني مع هذا الرجل علاقة عمل فنحن نعمل في أحدى الدوائر الحكومية العامة .
كنا جالسين أمام شاشة التلفاز نرتشف الشاي بعدما تناولنا طعام العشاء ، لم يملأ المكان غير أصوات الفضائيات، بينما نحن ألتزمنا بالهدوء ، ما كسر حاجز الصمت العفوي هو خبر تلفازي تناقلته القنوات عن المسعى الفلسطيني للحصول على ( دولة ).
هذا حقهم ، الفلسطينيون أصحاب حق ، ليس هناك أي حق للاسرائيليين ، يجب أن يقف الجميع مع الفلسطينيين ، عبارات تلفظ بها صارخا" وقد اعقبها بوابل من السُباب والشتم وبنبرة تهجمية شديدة ضد اسرائيل والغرب مصحوبة بحركات جسدية غير منضبطة .
لم اشأ أن أزج بنفسي في دوامة الغضب التي اجتاحت الرجل وقد جعلته يغدو كجزيرة قفرة ضربها تسونامي ، أكتفيت بالصمت وتجاهلت صراخه ولكنه لم يتجاهل سكوتي .
قال لي : أن الغرب كافر واسرائيل ………
اكتفيت بالصمت
قال لي : الفلسطينيون اصحاب الحق والأرض .
اكتفيت بالصمت
قال لي : أن الله مع المسلمين ولا يقف مع غيرهم .
اكتفيت بالصمت
قال لي وقال لي وقال وقال …………..
كنت ملتزما" بالصمت الذي اتخذته غطائا" لأنزعاجي ، ورغم ألحاحه الثقيل ومحاولاته الضاغطة وأصراره العجيب لدفعي لمشاركته في الموضوع إلا أنني تمسكت بالسكوت وبكل ما أمتلك من قوة الى درجة جعلت منه يزداد غضبا" وألحاحا"..
لم يغير هذه الحالة سوى تدخل جاء من زميل لي في العمل ، اومأت له بصورة شبه خفية ليفتح لي مجالا" للتكلم ، وفعلا" فقد قام بدوره على أكمل وجه .
لا تتهجم على اسرائيل ، عبارة قالها صديقي الذكي اللماح أدخلته مع الرجل في جدال حاد أرتفعت فيه الاصوات وكاد الصدام أن يأخذ منحى آخر لولا تدخلي ..
بعد ما طالبتهم بالهدوء توجهت للرجل بسؤال بسيط : هل تحترم القرآن ؟؟.
أجابني : نعم وبكل تأكيد .
سألته : هل تحترم كل كلمة وردت في القرآن ؟؟.
أجابني: أنا احترم وألتزم بكل كلمة وحرف ورد في القرآن.
سألته : هل تُصدق بكل ما جاء في القرآن ؟؟.
أجابني : أنا أُصدق بكل القرآن ولا أشك بأي كلمة فيه .
سألته : هل تعتقد بأن هناك عباراة أو كلمات خاطئة وغير صحيحة جاءت في القرآن ؟؟.
أجابني : مستحيل .. لا يمكن .. هذا سؤال مُحرم .
قلت له : هذا اعتقادك وأنت حر في ما تُقدس ، وأنا أحترم ايمانك بغض النظر عن رأيي فيه ، ومن منطلق ايمانك أُحاورك وأرجو منك أن تتقبل الحقائق بصدر رحب وبلا تعنت أو تعصب فأنا أُخاطبك من خلال النص القرآني الذي تقدسه ، فهل انت مستعد وموافق على آلية الحوار هذه ؟.
اجابني : نعم ،موافق ، بشرط أن تلتزم بالنص القرآني .
قلت له : سألتزم بالنص ، أنت تهجمت على اسرائيل وبالتالي فأنت اسأت لشعب اسرائيل وللديانة اليهودية وتدعي أنهم على خطأ وأعدائهم على صواب ، هل قصدت ذلك ؟؟.
أجابني : نعم ، قصدت ذلك .
قلت له : أنت قد قرأت القرآن وتعرف قصة مطاردة فرعون لبني اسرائيل وكيف أن الله جاوز بهم البحر وأغرق فرعون وجنوده ، ولكي لا أتوسع بالموضوع أو اتعمق بسرد الحقائق سأخاطبك مستحلفا" أياك بكل ما تُقدس أن تُحكم ضميرك في ما ستسمعه الآن من نص قرآني ؛ سيدي العزيز : هناك نص قرآني ورد في سورة يونس وتحديدا" في الآية التسعون يقول : ( وجاوزنا ببني اسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا" وعدوا" حتى أذا أدركه الغرق ، قال : آمنت أنه لا اله < إلا > الذي آمنت به بنو اسرائيل )!!!..
أرتبك .. اصابته الصدمة .. عجز عن الكلام .. كأنه يستمع للنص لأول مرة .
هل آمنت أنه لا اله إلا الذي آمنت به بنو اسرائيل ؟؟. بادرته بهذا بالسؤال … هل آمنت .. هل آمنت .. هل آمنت ..
لم اسمع اجابة .
قلت له : أننا أتفقنا على آلية معينة وصمتك يخل بالأتفاق ورغم ذلك فأنا ادعوك لأعادة الصلة والأتفاق بينك وبين الله الحقيقي ، أنه لا اله < إلا > الذي آمنت به بنو اسرائيل .
القاريء العزيز : لا أعرف الى كم شخص ستصل هذه القصة ( وهي حقيقية ) ولكني أدعو كل مسلم أن يرجع للنص القرآني الذي أوردته في هذا المقال متمنيا" منه ابداء النزاهة والصدق في رأيه ، رأيه على الأقل .
 

 

 ان المقالات المدونة في هذه الخانة تعبر عن اراء اصحابها, ولا تلزم الموقع بمحتواها  




 
 
تابعونا على




 

 

 

تعليقاتكم

تعليقات