الرئيسية » أقلام القراء » نكبة يهود بغداد المنسية

نكبة يهود بغداد المنسية

أقلام القراء
نكبة يهود بغداد المنسية
من المعروف للجميع تاريخ اليهودية في بلاد الرافدين وكيف استقرت في بعض المدن العراقية وأثرت ايجابا في حضارة هذا البلد العريق ،حيث يرجع بعض المؤرخين وجودهم هناك الى اكثر من 2600 عام قبل الميلاد وتعتبر من اقدم الديانات التوحيدية التي استقرت في العراق ،وبعد ان استقر اليهود في ارض بابل لقرون طويلة تمكنوا بعد ازدياد اعدادهم من النزوح شمالا الى بغداد وسامراء وكركوك وجنوبا الى مدن العمارة والبصرة في اقصى جنوب العراق.

فيما يخص يهود بغداد فان اعدادهم ازدادت باضطراد ملحوظ فبعد ان كانوا في بداية نزوحهم لايتجاوزون بضع مئات اصبحوا في منتصف القرن التاسع عشر يشكلون نصف سكان بغداد لما لهذه المدينة التاريخية من طبيعة خاصة كونها تستقطب كافة الديانات والمذاهب والقوميات دون تمييز او تفريق او عنصرية فضلا عن ان اليهود انفسهم الذين سكنوا بغداد كانوا ذا مكانة اجتماعية مرموقة ويمثلون الطبقة المترفة فيها وباتوا يجسدون روح وذوق بغداد الفني والجمالي .ان السعي الحثيث والعمل الدؤوب والجدية والامانة في التعامل التي كان يتصف بها يهود العراق بشكل عام ويهود بغداد بشكل خاص هي التي مكنتهم من السيطرة على مفاصل اساسية ومهمة في بغداد من تجارة وصناعة وصرافة وغيرها ،فبعد تأسيس اول غرفة تجارية في بغداد عام 1910 كان لليهود اكثر من نصف مجموع اعضائها وبعد انتخاب اول غرفة للتجارة في بغداد عام 1926 بعد تأسيس الدولة العراقية الحديثة ،كان أغلب اعضائها من يهود بغداد ،وفي مجال الصرافة والعملات اشتهرت شخصيات يهودية بغدادية بها أمثال حزقيل ألياهو وساسون صالح ،وفي السياسة وأعمال الحكومة اشتهر اليهودي ساسون حزقيل بكونه شغل منصب وزير المالية في خمس حكومات متعاقبة ابتداء من أول وزارة عراقية تشكلت بعد تأسيس الدولة برئاسة عبد الرحمن النقيب ،وكان ساسون يعتبر أشهر وأنزه وزير عراقي شهدته الحكومات المتناوبة في العراق لحد الان حيث كان مثالا للوطنية والشهامة ووضع مصلحة العراق فوق كل اعتبار.كما اشتهر قسم من يهود بغداد في مجال الادب والشعر والفن وبرز منهم الشاعر مراد ميخائيل وأنور شاؤول والفنانون يوسف حوريشو والاخوين صالح وداود الكويتي والمطربة سليمة مراد باشا ،وفي مجال الطب برز منهم أطباء أجلاء مثل ساسون بلبول وعزرا نسيم ترزي وجاك عبودي ،كذلك اشتهر قسم منهم في مجال القانون كالمحامين ناحي ألياهو ونعيم موشي كوهين وشوعة صبون ويوسف زلخة وغيرهم.

لقد كانت أحياء بغداد الراقية تزهو بالقصور والبيوت الفخمة العائدة لليهود والتي تعد تحف فنية غاية في الجمال والابداع وهي لازالت قائمة وشامخة الى يومنا هذا دالة على المستوى الراقي الذي كان يهود بغداد يتمتعون به منذ ذلك الحين ((ولحد هذه اللحظة لازلت أمر بسيارتي بشكل شبه يومي بالقرب من دار المرحوم دانيال في منطقة الجادرية ببغداد الذي أسس سوق دانيال الحيوي في بغداد)).

ظل الحال مستمرا على هذا النحو وظل اليهود يعملون بشكل تصاعدي كل في مجال عمله الى ان جاء عام 1941 الذي حمل معه أول نكبة تضرب يهود بغداد بعد أن قام قسم من الرعاع وصعاليك بغداد بحملة منظمة استهدفت أموال اليهود وتجارتهم وذلك بنهب محالهم وبيوتهم بشكل مقرف وهمجي اضطر على اثرها قسم من اليهود الى التفكير مليا بموضوع بقائهم في هذا البلد ،ولم تمضي سوى بضع سنين حتى جاءت النكبة الكبرى والتي أصابت بغداد وأهلها قبل أن تصيب اليهود والتي أفرغتها من أهم مكون فيها ألا وهي نكبة اجلاء يهود العراق قسرا واستمرت بين عامي 1949-1952 بعد ان قامت السلطات الحكومية بأخذ ممتلكاتهم وأموالهم واخرجتهم من البلد بملابسهم التي يلبسونها فقط .

ان النكبة الحقيقية التي حصلت هي نكبة مزدوجة فقد نكب اليهود وفجعوا باخراجهم من بلدهم وتجريدهم من اموالهم وكذلك نكبت بغداد التي حرمت من طبقة مهمة وأساسية كانت تمدها بروح الانتماء والولاء والمواطنة ووضعت لمساتها الفنية والجمالية على هذه المدينةالمنكوبة التي اصبحت الان ملاذا للخارجين عن القانون وعصابات الاسلام السياسي وأوباش ايران الملالي الذين أضاعوا جمالية هذه المدينة وأرجعوها مئات السنين للوراء بعد أن هجرها قسرا أو اضطرارا سكانها الاصليين.
ملاحظة: لم يتبق لحد كتابة هذه السطور سوى سبعة أشخاص من اتباع الديانة اليهودية في بغداد.
ان المقالات المدونة في هذه الخانة تعبر عن اراء اصحابها, ولا تلزم الموقع بمحتواها

 

تعليقاتكم

تعليقات